فخر الدين الرازي

201

تفسير الرازي

جَاهِلُونَ * قَالُواْ أَءِنَّكَ لاََنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَذَا أَخِى قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَآ إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) * . اعلم أن المفسرين اتفقوا على أن ههنا محذوفاً والتقدير : أن يعقوب لما قال لبنيه : * ( اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ) * قبلوا من أبيهم هذه الوصية فعادوا إلى مصر ودخلوا على يوسف عليه السلام فقالوا له : * ( يا أيها العزيز ) * . فإن قيل : إذا كان يعقوب أمرهم أن يتحسسوا أمر يوسف وأخيه فلماذا عدلوا إلى الشكوى وطلبوا إيفاء الكيل ؟ قلنا : لأن المتحسسين يتوسلون إلى مطلوبهم بجميع الطرق والاعتراف بالعجز وضيق اليد ورقة الحال وقلة المال وشدة الحاجة مما يرقق القلب فقالوا : نجربه في ذكر هذه الأمور فإن رق قلبه لنا ذكرنا له المقصود وإلا سكتنا . فلهذا السبب قدموا ذكر هذه الواقعة وقالوا * ( يا أيها العزيز ) * والعزيز هو الملك القادر المنيع * ( مسنا وأهلنا الضر ) * وهوا الفقر والحاجة وكثرة العيال وقلة الطعام وعنوا بأهلهم من خلفهم * ( وجئنا ببضاعة مزجاة ) * وفيه أبحاث : البحث الأول : معنى الإزجاء في اللغة ، الدفع قليلاً قليلاً ومثله التزجية يقال الريح تزجي السحاب . قال الله تعالى : * ( ألم تر أن الله يزجي سحاباً ) * ( النور : 43 ) وزجيت فلاناً بالقول دافعته ، وفلان يزجي العيش أي يدفع الزمان بالحيلة . والبحث الثاني : إنما وصفوا تلك البضاعة بأنها مزجاة إما لنقصانها أو لرداءتها أو لهما جميعاً والمفسرون ذكروا كل هذه الأقسام قال الحسن : البضاعة المزجاة القليلة ، وقال آخرون إنها كانت رديئة واختلفوا في تلك الرداءة ، فقال ابن عباس رضي الله عنهما كانت دراهم رديئة لا تقبل في ثمن الطعام ، وقيل : خلق الغرارة والحبل وأمتعة رثة ، وقيل : متاع الأعراب الصوف والسمن . وقيل : الحبة الخضراء ، وقيل : الأقط ، وقيل : النعال والأدم ، وقيل : سويق المقل ، وقيل : صوف المعز ، وقيل : إن دراهم مصر كانت تنقش فيها صورة يوسف والدراهم التي جاؤوا بها ما كان فيها صورة يوسف فما كانت مقبولة عند الناس . البحث الثالث : في بيان أنه لم سميت البضاعة القليلة الرديئة مزجاة ؟ وفيه وجوه : الأول : قال الزجاج : هي من قولهم فلان يزجي العيش أي يدفع الزمان بالقليل ، والمعنى أنا جئنا ببضاعة مزجاة ندافع بها الزمان ، وليست مما ينتفع به وعلى هذا الوجه فالتقدير ببضاعة مزجاة بها الأيام ، الثاني : قال أبو عبيد : إنما قيل للدراهم الرديئة مزجاة ، لأنها مردودة مدفوعة غير مقبولة ممن ينفقها